دفاتر السفر (18)

الله يذكرك بالخير يا دكتور (ويصا)، فقد كان في تلك الأمسية الباريسية المضحكة المبكية لابساً كالسفراء الكبار حين يُدعون إلى ولائم الملوك العِظام: بدلة (سموكنج) آخر تمام، تلمع كالألماس الأسود، قميص ناصع البياض مكشكش بياقة منشّاة، ربطة عنق حمراء نارية، نظارة باريسية أنيقة، وحذاء إيطالي واثق الخطوة يمشي ملكاً على رأي (أم كلثوم).

وكل هذه الأناقة الظاهرية ليست شيئاً إذا ما قيست بالأناقة الداخلية للدكتور: لغة فرنسية سلسلة بنكهة باريسية تنساب من فمه كأنها وسوسة الحلي في معصم حسناء لعوب، (إيتيكيت) مرتب، وأخيراً تلك البهجة الخاصة التي منحته إياها الممثلة (لوسي) حين شبهته بالأمير (أحمد فؤاد) ولي عهد مصر في عصرها الملكي.

هل يمكن أن ينتهي كل ذلك بمهزلة بدأت بالتحدي الأخرس (للمفعوصة) صرافة الحي اللاتيني، والذي كاد يقود الدكتور إلى إنهيار عصبي لا يعلم إلا الله سبحانه وتعالى عواقبه، لو لم أقم بتدارك الأمر، وانتهى بكارثة الجرسون الذي أوقع أطباق الأكل الساخنة بزيوتها الكاوية على رـس الدكتور وملابسه.

الحقيقة…. إنني توقعت أن يقوم الدكتور بتحطيم المطعم وكل ما فيه على رؤوس كل من فيه، ولكنه فاجأني بذلك الهدوء الحكيم المتسامح وهو يقول للجرسون – الذي كان يرتجف من الخوف -: “حصل خير يا إبني… روح جيب مناشف… ما في حدا معصوم من الخطأ.”.

لكم كبر الدكتور في عيني وفي عيون روّاد المطعم الذين كانت أبصارهم شاخصة إلينا تلهفاً لمعرفة رد الفعل، وسقط الدكتور في بئر تفكير عميق بعد أن أغمض عينيه وأسند جبهته إلى كف يده اليسرى، وحين استيقظ على صوت الجرسون – الذي أحضر المناشف – التفت إلي قائلاً: “إذا كلمت (أبوخليفة) أعتقد ما فيه لزوم…” قلت له على الفور: “ولو يا دكتور… ما تدلل عيني… هنا حفرنا وهنا دفنا…”. بالمناسبة، (عبدالله النويس) و (وليم ويصا) و (عبلة النويس) وأنا، إضافة إلى 170 آخرين خريجو دفعة واحدة من آداب القاهرة 1969، وقد تسنح الأيام للحديث عن ذلك الزمن الجميل.

بقيت مسألة (الألماس الأسود) الذي لا يعرف عنه أكثر الناس، بينما هو موجود في الطبيعة ونادر في الأسواق. ففي كافيتيريا (شيراتون بارك تاور) بـ(لندن) كانت سيدة – ظننتها أفريقية – جالسة وحدها، وتبدو كالمستوحشة، فجاءني (محمد قحطان) (يوسوس) في أذني: “يا أبا خالد، إرفع معنوياتها بكم كلمة من كلماتك الجميلة…” قلت له: “ما با تتوب يا أبا راشد، نسيت حالاً سيدة: “Please give me your hand”.” كتبت له وليس لها على ورقة (كلينيكس): “أيتها الماسة السوداء، لقد أضأت مدينة الضباب كما تضيء الشمس غابات أفريقيا العذراء”، برطمت في وجه (قحطان) بإنجليزية أمريكية، وبوجه يقطع الخميرة: “أيها السيد: أولاً أنا لست أفريقية، ثانياً: لا يوجد ماس أسود… ثالثاً: عندما تكتب لسيدة لا تكتب على ورق (تواليت)… أفهمت؟” طبعاً فهم صاحبي، أما أنا فاختفيت وراء الجريدة… من قال أني أعرف (القحطاني) في هذا الموقف العصيب؟.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s