دفاتر السفر (16)

عندما مرّ عليّ الدكتور (وليم زكي ويصا) مراسل (الاتحاد) ووكالة أنباء الإمارات وجريدة الأخبار المصرية آنذاك، كانت باريس لا تزال تسبح في شمس الأصيل الذهبية التي لا تغيب قبل التاسعة مساءً، والتي تتمازج مع أضواء المدينة بحيث لا تدري أيهما انسحب وأيهما بقي، لذلك فإن (باريس) لا تعرف أحزان المغربيات التي تستيقظ فيها الكائنات غير المرئية مشيعة الكآبة وهبوط المعنويات والأمزجة السوداوية في كثير من مدن العالم.

وكنت في وضع نفسي جيد حين حاذاني بسيارته المرسيدس على رصيف النزل فقد تعايشت مع فاجعة الصباح وأقنعت الأولاد بالعودة المبكرة إلى الإمارات. بادرني بالسؤال: “هاه كيف الحال…؟” أجبته: “اللي ما يكسر ظهرك يقوّيك، وما ضاع من مالك ما علّمك يا دكتور”.

لم أعاتبه على إشاعته للخبر، وإن كان قد استشعرتُ ذلك على طريقة (السارق على رأسه ريشة). فبادرني متخذاً قاعدة الهجوم خير وسيلة للدفاع قائلاً – وهو لا يكاد يسيطر على ضحكه –: “بالمناسبة، سألني (أبو خليفة) عن أحوالك في مكالمة بعدما تركتك في الصباح، وطبعاً رويت له الحادثة (الفظيعة) التي جرت لك وهو يبلغك تحياته ويقول لك: “تامر بأي خدمة”…” قله له: “شكراً ما يقصّر الدكتور”… ولشدة غيظي منه لم أقل له باتصال الدكتور في الصباح وقهقهاته التي ملأت فضاء (باريس)، فذلك (مربط الفرس) بالنسبة له حتى ينفجر بالضحك على هواه، وبيني وبين نفسي قلت: “تستاهل يا ابن النقيب، انت الصعيدي اللي باعوا له القطار، وإنت اللي أشعت الخبر… ألم تكن ملهوفاً لتبليغ الدكتور (ويصا).

نسيت أن أقول لكم أن الدكتور (ويصا) – الذي كان أيام الجامعة في لون ورقة خريف صفراء بنظارات طبية معتمة وجسد هزيل (جلد على عظم) مثل (برنارد شو) – قد أصبح الآن متورّد الوجنتين مثل الطماطم الهولندية، فارع الطول، ممتليء الإهاب كأنه (جاك شيراك) وإن كان لـ (لوسي) رأي آخر، فقد قابلنا أثناء تجوالنا بالحيّ اللاتيني الممثلة والراقصة المصرية (لوسي) وهي تحمل طفلاً نائماً، وتبدو مثل فلاحة صعيدية رغم أن حواليها عدد من الرجال الأشداء الفاضيين، وما أن شاهدت (وليم) حتى قالت له: “تعرف يا دكتور إنك تشبه الأمير (أحمد فؤاد)… سبحان الله… الخالق الناطق…”، طبعاً الدكتور معروف جيداً في أوساط الجالية والزوار المصريين.

لم يكن الدكتور بحاجة إلى أكثر من هذه الشهادة أمام زميل قديم مثلي، وحينما طلبت منه التوقف أمام محل صرافة لتخريد مائة دولار قرأ اللائحة بكل خبرة ربع قرن في (باريس) وأبلغني بالسعر، وحين مدت إلينا الصرافة المدججة وراء الزجاج المصفح بالفرنكات كان المبلغ ناقصاً، فبرطم الدكتور وهدر بفرنسية رشيقة، وصاحبتنا المدججة غير عابئة به… فقط تشير بإصبعها إلى اللائحة حيث كانت توجد نجمة صغيرة بجانب سعر الصرف وعليك أن تقرأ لوحاً في طول قامتك مرتين لتصل إلى سطر في الذيل مكتوب بخط صغير جداً يحتاج إلى ميكرسكوب يقول: إن هذا الصرف لا ينطبق إلا على من يخرد عشرة آلاف دولار.

هنا انفجر الدكتور، وشعر أنه أهين وخُدع شخصياً، وأن عليه أن يبرهن لي بالذات أنه من فصيلة الطيور التي لا يُؤكل لحمها… وللحديث صلة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s