دفاتر السفر (14)

أحياناً يؤدي الحرص الشديد على الشيء إلى فقدانه، وقد ينطبق علينا في بعض المواقف قول الشاعر:

وعلمت حين العلم لا يُجدي الفتى
أن  التي  ضيّعتها  كانت  iiمعي

ذلك بالضبط ما حصل مع صديقنا (أبو مهند) في لندن، فقد اكتشف ضياع بطاقته الإئتمانية، وتدرّجت ظنونه صعوداً، متيقناً أنها سُرقت بفعل فاعل، وتزاحمت في رأسه التوقّعات التي قد تنجم عن فعلةٍ كهذه، وهو الرجل الذي لا تنقصه الخبرة ولا الحِنكة.. لذلك فقد بادر في الاتصال بأبوظبي طالباً إلغاء صلاحية البطاقة.

إن هي إلا ساعة أو بعض ساعة إلا و (أبو مهند) يقفز عن كرسيه في (اللوبي) وهو يصرخ مثل (أرخميدس): “وجدتها… وجدتها..” ويبدو أنه استخدمها ولم يُعِدها إلى محفظة البطاقات، وإنما وضعها في جيبٍ صغير يتفنن الخيّاطون باستحداثه أسفل المعطف من الداخل.

ذهبنا إلى محل الصرافة القريب لسحب مبلغ من المال قبل أن يسري مفعول الإلغاء، فإذا بصاحبنا يقف موقف الاتهام: “لا مال.. البطاقة مفقودة..” طيّب أعيدوا البطاقة؟ لا يمكن إعادتها لأن عليها تعميم.. ثار (أبو مهند) ضرب بقبضتيه الزجاج المسلح.. ما فيش فايدة.. كركر جمل.. أخيراً عند الله وعندكم اقطعوها بالمقص نصفين لتطمئن قلوبنا.

ذكرتني تلك الواقعة بـ (وليم زكي ويصا) زميل دراستي وكان مراسلاً للاتحاد في باريس، وقد أسدى إليّ خدمات جليلة أثناء زيارتي بصحبة الأهل من المطار وإليه مروراً بالحجز ومراجعة الأطباء.

ذات صباح تسلّلت والأولاد نيام.. أريد أن أشوف باريس بعيداً عن ضجيجهم ومطالبهم، وفي الوقت نفسه أمرّ على (الشانزليزيه) لصرف بعض النقود.. كان في جيبي – لسذاجتي – نصف المبلغ المرصود للرحلة، وفي السلم المتحرّك بمحطة المترو وقف شاب أمامي سقطت منه علبة السجائر عند الدرجة الأخيرة، فأخذ المسكين يترنّح للحصول عليها وهو يدفع بي إلى الخلف، بينما أنا أكاد أقع ولم أكن أعرف الخطة المرسومة “يا غافل لك الله”، فثمة آخر خلفي تولى تنظيف جيوبي تماماً، ولا من شاف ولا من دري ولا من علم، حتى أنا لم أعرف إلا بعد خروجي إلى الشارع، ومن حسن حظي أن تذكرة المترو كانت مُرجَعة، فعدت واجماً وشكوت حالي إلى صاحب الفندق، فقال لي ضاحكاً: “أنت محظوظ..لقد خسرت المال وكسبت الصحّة، ربما لو اكتشفتهم لبادروك بطعنة نافذة…”، قلت: الحمد لله، قدّر ولطف، وكان الله بالسرّ عليما”.

أبلغت (وليم) بما حدث، فجاء ليواسيني وقرر أنني أستاهل وليمة عباسية على حسابه في الحيّ اللاتيني… و… “يا راجل بلاش التكشيرة دي…خليك جدع…” أما ما حدث بعد ذلك فمن المضحكات المبكيات… فإلى الغد.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s