دفاتر السفر (11)

حاول في السفر أن تتجنب خبراتك القديمة لأنها سرعان ما تصبح عائقاً أمام المعرفة الجديدة، إنك تلبسها مثل النظارات الملوّنة فترى كل شيء بلونها، أما هي فتتلبسك مثل جنّية ساحرة تقودك وأنت مغمض العينين.

ذات يوم قلت لأحد الأصدقاء ونحن نتجول في لندن: “تعرف أيها العزيز ما هو الفرق بين لندن وباريس”؟ قال: “هات”، قلت له: “باريس فترينة عطر، طقم كريستال، متحف في الهواء الطلق، أسراب غزلان تفوح بالمسك، صفوف من البيوت الملونة بقوس قزح”.

سألني متنمراً: “ولندن؟”، قلت: “يعني… لا أنكر أنها مدينة عظيمة وفيها من مظاهر العراقة ما يُبهر… ولكنها كما يبدو لي مثل عجوز ستينية تغضن جبينها، ونفرت عروق يديها، وتيبّست مفاصلها، وأصبح شَعرُها مندوفاً كالقطن الأبيض الأكرت…”.

وأضفت – قبل أن ينفجر فيّّ، فقد عاش شبابه هناك حتى تخرّج وعمل أيضاً لعدة سنوات في مجال تخصصه، كما أنه يمتلك منزلاً في منطقة خارج لندن، لذلك فإن هواه الجمالي إنجليزي، وأنا وهو على مفترق طريق (عُمر ابن أبي ربيعة) القائل:

قل لمن أقرن الثريا سهيلاً
عمرك  الله  كيف يلتقيان
فالثريا  إذا  استقلت  شامٌ
وسهيل  إذا استقل iiيماني

– أضفت مسرعاً بينما هو يتحفز: “لِنَقُل إن باريس مدينة الجمال ولندن مدينة الجَلال، والجمال يقال عن الزهرة، بينما الجلال يقال عن الجبل… وشتان في عيني السائح بين سفح من الزهور المضيئة، وجبل متجهم تتدحرج حجاره على غير نسق”.

قاطعني – وقد نفذ صبره- : “كلام فارغ… أنت لا تعرف لندن ومع ذلك عامل قاضي”، قلت له: “يا أخي العزيز، خمسة أيام لم أشاهد فيها وجهاً صبوحاً… أية مدينة هذه؟ أتراها هجرها الشباب وبقي فيها العجائز، ولذلك ينطبق عليها وعلينا المثل: إن الطيور على أشكالها تقع!”.

قال لي: “دعنا نذهب إلى تناول الشاي في (كافيه دو باريس) وسترى العجب العُجاب…”، قلت له: “وهذه شهادة أخرى بأن الجمال الإنجليزي – إن وجد – لا يطمئن إلاّ إلى باريس”.

قل ذهبنا يا سيدي، من باص، إلى محطة مترو، إلى تاكسي، حتى وصلنا المقهى العتيد، ودخلنا إليه دخول الفاتحين… هو يتقدّم بفخر وخَيُلاء وأنا وراءه أحثّ الخطى بتطلّع وترقب، فإذا نحن بحشد من العجائز رجالاً ونساءاً، أصغرهم تجاوز السبعين، يتحاملون على أنفسهم وقد كلّت أبصارهم، وجفّ ماؤهم، وذهب نورهم… إن هي إلاّ اللحظات الأخيرة قبل أن تنطفئ الشموع ويعمّ الظلام… يا للهول!… ما هذا أيها العزيز؟! تجهّم وجه صاحبي ونزع نظارته يبحلق فيّ، وقد أمسكت بي عاصفة من الضحك كانت هي المكافأة الوحيدة التي خرجت بها من هذا المشوار الخائب.. قلت له: “يا أبا محمد، متى آخر مرة جئت فيها إلى (كافي دو باريس)؟”، تنحنح وهو ينظر إلى البعيد قبل أن يجيبني: “أظن قبل ثلاثين عاماً…” قلت له: “وعامل نفسك قاضي!”.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s