دفاتر السفر (3)

للسفر تداعياته، مكان يشبهك، أو هكذا تشعر، تألفه فوراً، تعقد مع صداقة، وتتبادلان المحبة، تعيدان ترتيب الأشياء حولكما، وعندما تعود إليه مرة أخرى في الغد تحس أنك قد تجذرت فيه ولن تفترقا بعد ذلك أبدا، تزرعه في داخلك لينمو كما يشاء أو كما تشاء، وتزرع روحك في جنباته لكي لا تضيع منك في زحمة الحياة.

(هولاند بارك) تلك الحديقة اللندنية الرائعة الواقعة في (كنسنجتون هاي ستريت) حيث نزلت صيْفينِ متتابعينِ في شقة الصديق (عبدالقادر العفيفي) المطلة على الحديقة.

أتسحّب في الصباح الباكر، أمر على بائع الجرائد العربية في ناصية (البارك) ثم أتسلل بهدوء يليق بعظمة تلك الطبيعة المنسقة المبهجة في طريقي إلى شرفة الذكريات حيث توجد صفوف من الكراسي الخشبية الحزينة، مهداة من محبين لأناسٍ رحلوا، ينقشون بدموعهم ومشاعرهم كلمات شوق وآهات وداع. لن تملّ أبداً من إعادة قراءة تلك النصوص المختصرة المركزة المليئة بعواطف الأمهات والأخوات والآباء.

في الطريق إلى الشرفة يمرّ بك سرب طواويس يتهادى، تلقي عليه تحية الصباح فلا يأبه لك، تتوقف قليلاً لتشاهد حشداً من الكلاب اللطيفة من مختلف الأنواع والأحجام، جاء بها أصحابها للتريّض، تتسابق… تطارد بعضها دون أذى أو حتى تهديد بالأذى. إنها ساعة للحرية والدلال والحنان المتبادل بينها وبين أصحابها الذين وجدوا في رفقتها الملاذ من الوحشة والوحدة وعدوانية الإنسان التي عبّر عنها شاعر عربي قديم بقوله:

عَوى الذِئبُ فَاِستَأنَستُ بِالذِئبِ إِذا عَوى
وَصَوَّتَ إِنسانٌ فَكِدتُ أَطيرُ

في مرتفع أعلى من شرفة الذكريات، قبيلة من الأشجار العملاقة، كأنها ناطحات سحاب تتطلع إلى سرقة الغيوم، أو كأنها من مردة الجان، مكلفةٌ بحماية المكان، وحدها الطيور التي تملأ سماء الحديقة تقول للعملاق إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا… ووحدها شمس (لندن) الخجولة الناعمة تخترق كثافة الأغصان والأوراق، معيدة مسيرة (المتنبي) في شِعب (بوان) وفرحه بدنانير الشمس الذهبية:

وَأَلقى الشَرقُ مِنها في ثِيابي
دَنانيراً   تَفِرُّ   مِنَ   iiالبَنانِ

 

تتطلع إلى السماء فتذكرك بسماء (أبي تمام)… إنه لصحو حقاً ولكنه: “صَحْوٌ يَكادُ مِنَ الغَضَارة يُمْطِرُ”.

أكملت قراءة الجرائد، وغسلت عينيك باللون الأخضر، وملأت رئتيك بالنسيم العليل، وها أنت ذا تمر بشرفات الزهور، مهرجان ألوان كأنما في عرض للأزياء، وعلى البوابة تلتقي بالعجوز اللندنية تحمل كيسها المليء بالخبز. إنها على موعد مع الحمام الذي يتقاطر عليها في تظاهرة حب لا تُنسى.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s