العقود العسجدية

التقيت صديقي المهندس بالدائرة الخاصة لصاحب السمو رئيس الدولة عمر محمد الجنيد، وفي يده مجلد أنيق يحمله برفق وينظر إليه بإعجاب، وبما انني لم أعهد صاحبي حمّالاً للكتب، فقد توقعت أن الصيد في الفراء سمين كما يقول العرب. ولما كنت بطبيعتي منجذباً إلى عالم الكتب، فقد أطبقت على الكتاب وأقبلت عليه أكثر مما أقبلت على صديقي.

بعد أن تصفحت الكتاب، تعجبت أن يكون لهذا الفتى العصري المشغول بهندسة الري هذه السلسلة من الأجداد الأعلام الذي امتدّ نشاطهم من حضرموت إلى سنغافورة في أقصى الشرق وإلى مجاهل القارة الأفريقية وحواضرها علماً وعملاً وتجارةً وإعلاءً لراية الإسلام.

لقد كان الكتاب يروي سيرة أسرة تحت عنوان “العقود العسجدية في نشر مناقب بعض أفراد الأسرة الجنيدية”، أما المؤلف فهو السيد عبدالقادر بن عبدالرحمن بن عمر الجنيد الذي أنهى كتابه في (دار السلام” عاصمة جمهورية تنزانيا في 1990، وبالمناسبة فإن عاصمة (بروناي) تسمى أيضاً دار السلام، وهو أول اسمٍ اعطي لبغداد من قبل بانيها الأول أبوجعفر المنصور قبل أن تتحول إلى عاصمة الدنيا مجسدة رؤية الإسلام والعرب للسلام والتعايش والتحاور الحضاري.

ولم أجد في سيرة الأسرة الجنيدية – بعد أن استأذنت صديقي في الاحتفاظ بالكتاب لمدة أيام للاطلاع على فحواه – ما هو أكثر عدلاً في وصف أعلامِها بحملة رسالة السلام، فهم لم يحملوا السلام يوماً ولم يتداعوا إلى الغضب والوعيد أبداً، وإنما كانوا ينسابون كالمياه في رقتها ونعومتها وفي قوتها وخصبها. وقد جاء في المنهاج المدرسي لسنغافورة أن آل الجنيد هم أول العرب الذي قدموا إلى سنغافورة وبلاد الملايو في القرن الـ 18، وأنّهم في وجدان الناس في تلك الأصقاع النائية التي لم يطرقها فتح كالأساطير, وعلى أيديهم ومن أعقبهم من العرب انتشر الإسلام في تلك البلاد، وحتى أندونيسيا التي هي اليوم أكبر معقل للإسلام والمسلمين في العالم.

ويوثق الكتاب بالصور سلاسل المساجد التي بناها آل الجنيد في سنغافورة، وهي من آيات الجمال المعماري والسكينة الروحية، وقد سميت بأسماء أعلامهم الأوقاف الإسلامية والمبرات الخيرية وأراضي مقابر المسلمين، إضافة إلى ما تبرعوا به لحكومة سنغافورة من أراضٍ لبناء الدوائر والمصالح الحكومية… إنه تاريخ بعض ما أغفله التاريخ مما يملكه العربي في أعماقه من طاقات عظيمة، وما يحمل في ذاته من موروث حضاري، وإرثٍ إبداعي إنساني.

في الكتاب أيضاً دقائق لطيفة، وروحانيات عليا لنفوس طُبعت على الخير وجبلت على اللطف ولم تتهيب الآفاق ولا خشيت الاغتراب، فكانت بمهابتها وبالقدوة التي رسمتها في وطن دائمٍ حيثما حلت وارتحلت… وكم أتمنى لو يقرأ الشباب مثل هذه المآثر ليعلموا أن العالم الوسيع يضيق أمام عزيمة الرجال.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s