غنم العميد – 2

لم يكن السفر مع عميد كليّة عدن عبدالوهاب عبدالباري هيناً ولا مأموناً، فالرجل (مسحوب من لسانه) وإذا ضرب (الفيوز) في رأسه ممكن يخليها ظلمه على نفسه وعلى من حواليه، وقد أخذت أجتهد في تحضير دروس الفلسفة والمنطق وعلم النفس وتقريبها إلى أذهان الطلاب الذين كانوا يقاربونني سناً وكنت أحثّهم على أن يسألوا لنفكر سويةً بصوتٍ مسموع، وشعرت في وقت من الأوقات، أنهم أصبحوا جزءاً مني وأنني أصبحت جزءاً منهم، كما تلمست قلقهم إلى المعرفة والفهم بسبب المحيط المتلاطم حولهم. فقد كان المنهج الدراسي في واد وما يجري في الشارع ويقال في أجهزة الإعلام في وادٍ آخر.
وقد استمرّ العميد في محاولاته لاقناعي بأنني أحرث في شاطئ البحر، وأنه لا فائدة ترجى من وراء أي تعليم وكثيراً ما كان يحضر إلى الصف لإخراجي أثناء الحصة بمختلف الحجج، وكان الطلاب ما أن يحضر حتى يضجوا بالضحك فيشير إليهم بعصا قائلاً: آه منكم يا ملاعين، المستقبل أمامكم أسود. وكان واضحاً أن الطلاب أنسوا إلى عميدهم بل وأحبوه وكانت تعليقاته اللاذعة تنتقل على ألسنتهم إلى كل مكان في المدينة، وقد عبر الكثيرون منهم عن حبهم وتقرّبهم منه باحضار ما تيسّر من بقايا الخبز والأعلاف لغنم العميد التي أخذت تسرح وتمرح في الكلية ثم تمادت فأصبحت تدخل إلى الصفوف تبترد وهي تحاول قضم أحذية الطلاب البالية وأطراف ملابسهم الرثة، وقد أثبتت الأغنام موهبتها الطبيعية في امتصاص القلق وإشاعة البهجة والتعايش مع البشر.

وهكذا أخذت الكلفة ترتفع بين العميد والطلاب، فتراه أثناء الفسحة وقد خرج من مكتبه إلى الساحة يسير مع هذا الطالب أو ذاك، وقد حط كلاهما ذراعه على كتف الآخر، بينما طالب آخر يصيح من بعيد، يا أستاذ عبدالوهاب.. ما هو الفرق بين الفئة السياسية الفلانية والفئة العلانية؟ (لا داعي لذكر الأسماء) فيجيبه العميد: مافيش فرق يا غبي بس (هاذولا) يسرقون في النهار و (ذولاك) يسرقون في الليل، ويعقب، شوف الفرق العظيم يا خايب.
عبدالوهاب عبدالباري أحمد ألمع خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت وعلى قدر كبير من الذكاء واللماحية، وربما كان ذلك وراء نظرته السوداوية للناس والأيام، كأنما رائده في ذلك أبوالطيب المتنبي القائل: ومن عرف الأيام معرفتي بها، وبالناس روى رمحه غير راحم. وكان يشعر بمرارة شديدة تجاه كل ما يرى ويسمع، وحين كنت أسأله كان يقول لي: “الله يخليك لا تخلي العقارب والثعابين تخرج من فمي، شوف السم الناقع على الطرف لساني” وإلى الغد.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s