محمود درويش يقابل السلطان عوض – 17

كان اليسار العربي يفاخر بتجربة عدن لا على طريقة الدبّ الذي اقتلع عيني وأذني وأنف صاحبه من (شدّة الحب) والتي ذكرناها أمس عن لسان أستاذنا الجرادة، لأن هذا اليسار كان أعقل من أن يقتل دجاجة تبيض ذهباً، ولكن عل طريقة الأب الذي ذهب يخطب لابنه فلما رأى جمال الفتاة وراقت في عينيه خطبها لنفسه مدّعيا أنه بالكاد أقنعها هي وأهلها بالقبول به.
ذلك أن هؤلاء أقنعوا الاتحاد السوفييتي في ذلك الزمن الملتبس أن زمام التجربة في أيديهم كما أقنعوا جماعتنا بأن زمام الاتحاد السوفييتي في أيديهم، ويبدوا لي أن السوفييت لم يكونوا بذلك الغباء المفترض، ولكن في إطار نظرة أوسع لدولة عظمى لم يكن لديهم مانع من هذا الزواج الكاثوليكي مادام يصب في مصلحتهم. فقد كانوا يقولون لليسار العربي والعالمي ماكان يقوله هارون الرشيد للسحب العابرة فوق بغداد: “إمطري حيث شئت فإن خراجك آتٍ إليّ”. على كل حال، هذا خارج موضوعنا، إنما هو الكلام يأخذ بعضه بأعناق بعض، وتلك آفة الصحفيين وأنا منهم، وكان الغرض أن أقول إن بلادنا صارت إلى حد ما مكاناً للفرجة يقصدها أناسٌ من أماكن شتى لكي يروا معجزة (القبائل) الاشتراكية المتصالحة، وكان من نصيبي مرافقة الشاعر الكبير محمود درويش واستضافته تلفزيونياً.
أما الاستضافة في برنامج (فنجان شاي) فينطبق عليها المثل القائد “إذا كثر الطباخون احترقت الطبخة” لأنه من شدة انبهار الوسط الثقافي بالشاعر أصرّ عددٌ كبير من المثقفين على مشاركتي في محاورته فأخذنا (نتناقر) فيما بيننا البين أمام خلق الله الذين يريدون سماع درويش.
وأما المرافقة فقد صحبت الشاعر إلى لحج ليرى على الطبيعة تجربة التعاونيات الزراعية، وكان المحافظ (عوض الحامد) قد اشتهر في تلك الأيام بغاراته المفاجئة على (حوش) وزارة الزراعة في عدن وأي وزارة آخرى غير محروسة جيداً لأخذ ما تيسر من السيارات والمعدات دون أن يستطيع أحد الوقوف في وجهه وكان أهل لحج يسمّونه لشدة سطوته (السلطان عوض)…وللحق فقد كان يحكم منطقة مساحتها أضعاف ما كان يحكم سلاطين (العبادل) الشهيرون وبين يديه من الصلاحيات أكثر مما كان في أيديهم خاصة بعد تأميم الأراضي الزراعية.
ما أن علم المحافظ بوصول (درويش) حتى أصرّ على مرافقتنا بسيارته (الجيب)… وهكذا أخذ يطير بنا في طرق غير ممهدة يصعد تلاً وينزل منحدراً والعجاج يغطّينا… فقد كانت السنة مجدبة حتى أحسست أن (محمود) سيلفظ أنفاسه وأن الهدف من الزيارة سيفسد بسبب (عوض الحامد).
أخيراً دعانا إلى غداء (ممتاز) تعويضاً لنا عن العناء، ولكنه ما أن رآ المصوّر التلفزيوني الذي كان يرافقنا لتسجيل زيارة (محمود درويش) حتى طار صوابه، فانتفض عليه وأوقعه أرضاً هو و (الكاميرا) الثمينة التي صادرها بعد ذلك ولم يرحم دموع المصوّر التي تعد عهدةً في ذمته. لماذا يا عم عوض؟!… “تريدهم يشوفونا بالتلفزيون ويقولون علينا برجوازيين قدّامهم خروف مشوي…؟!” “طيّب يا عم (عوض) كنت باتقول له لا تصوّر ببساطة…” أجابني: “ببساطة أنت ما تعلّمت النضال، افترض أنه هرب؟” “وين با يهرب في هذه الوديان ولماذا؟” “نحن دايماً ننظر للبعيد وإلاّ ما كنا حكمنا البلاد…”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s