سالم زين محمد – 45

كان (سالم زين محمد) واحداً من أبرز مؤسسي الجبهة القومية إحدى الفصائل المسلّحة التي كافحت لتحرير جنوب اليمن في الستينات، بل إنه كان كاتب ميثاقها، وكنت عرفته قبل ذلك بعدد من السنين حين عمل مدرساً في المعهد العلمي الإسلامي بعدن، وأثار دهشة الطلاب بقوامه الفارع النحيل، وأنفه الضخم المحدودب كأنه هلال في المحاق، إضافة إلى صوته  الجهوري الذي لا يتناسب مع نحافته، وكان الأستاذ الوحيد الذي ينام في المدرسة وسط أكداس من الكتب يلتهمها التهاماً.

ثم التقيته في منتصف الستينات في القاهرة وقد أصبح زعيماً مرموقاً يسير بعصا أنيقة للوجاهة، ويعتمر ذقناً مهذباً (بسكسوكة) ويشمخ في علّ وقد زمّ شفتيه ليخفي ذلك البروز الهائل لأسنانه وفكيه، وقد استعذت بالله، فهذا ليس أستاذي الذي أعرفه، ابن النكتة الذي لا يستطيع حبس الضحكة، ولو كان ذلك في مسابقة لها جائزة ثمينة.

وارتكب أستاذي (غلطة العمر) حين وقّع مع رفيق عمره الشخصية الوطنية البارزة (علي السلامي) على وثيقة اندماج بين الجبهة القومية وجبهة تحرير جنوب اليمن في الاسكندرية بدفع ودعم من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ذلك أن الجبهة القومية التي ينتمي إليها كانت تندفع بلا هوادة للإنفراد بالحكم ودمغ كل من عداها بالخيانة والعمالة واللاوطنية وتلك لعمري خطة ضيزى، كان من نتاجها ما هو معروف وغير منكر من البلايا والرزايا والتناحر والاقتتال الأهلي حتى الفناء فمن أحب الأمر كله… لا بد له أن يفقده كلّه.

تم فصل سالم زين وآخرون وفي مرحلة لاحقة عاد إلى عدن مجرداً إلا من تقدير شخصي من بعض رفاقه، وكان أجمل ما في المحنة – إن كان لأي محنة جمال- أن أستاذي حلق (السكسوكة) ورمى عصا الوجاهة، وأخذ يتأمل رفاقه الذين أخذوا يتناقرون كالديوك بعيني فيلسوف وبصيرة حكيم، كأنما كان يرى المصارع القادمة أمام عينيه، فكان كلّما رأى زفة ثورية يأخذ في ترداد أغنية ناظم الغزالي: طالعه من أبوت أبوها… رايحه بيت الجيران، لابسه الأحمر والأخضر… ثم يضحك حتى تغرورق عيناه.

وقد زهد سالم زين في الحكم – أي حكم- وقنع من الغنيمة بالإياب، واكتفى بوظيفة مدير عام لمؤسسة 14 أكتوبر للطباعة والنشر، وقد أخذ العبرة من رأس الذئب الطائر الرئيس، (قحطان محمد الشعبي) أول رئيس لجنوب اليمن الذي أفنى حياته من أجل تحرير الوطن، والقائد البارز فيصل عبداللطيف، ذلك أن الاثنين قد انتهيا إلى السجن على أيدي رفاقهما ومن ثم إلى الموت والقتل دون محاكمة، والموت نقاد على كفّه… جواهر يختار منها الجياد.

ولم تهنأ لسالم زين أيامه في مؤسسه 14 أكتوبر فقد كثر شانئوه ومحبوه حتى أسقطوه ودفعوه إل خارج البلاد كرةً أخرى…

أما شائنوه فقد أكثروا من الإعادة والتكرار حول توقيعه على وثيقة الاندماج مع جبهة التحرر، ذلك أن المتطرفين آنئذ كانوا ينظرون إلى مثل ذلك الأمر على أنه خيانة عظمى لا يغسل عارها غير الدم، وكان عدد من الشانئين عيونهم مسلطة على المنصب البسيط لذلك الرجل الكبير، فقد كانت المناصب (الحقيقية) قليلة بالنسبة إلى مجاميع الثائرين وطموحاتهم ومثلها في ذلك الطفيلي العربي خراش الذي يقول: “تكاثرت الظباء على خراشٍ.. وما يدري خراشٌ ما يصيد”.

أما المحبون ومعظمهم من تلاميذه وأبناء منطقته في لحج فقد ظنوا أن بيده مفاتيح قارون، وطبعاً كان الناس محتاجين ولكن الرجل ما كان بيده أو في مستطاعه أن يفعل مثل غيره فهو حريص على المال العام من ناحية وحذر من أن يقع في الشباك المنصوبة له من ناحية أخرى.

وقد بلغ الأمر أن أحد أصدقائه الحميمين الشاعر الشعبي الكبير حمَود نعمان قد هجاه بديوان شعري كامل استهله بقصيدة ذاعت على كل الألسن مطلعها:

من سنونك منظرك إنك حمار… ما تفرّق بين قرصك والخُصار (الإدام). وقد كان بروحه المرحة الطيبة يرويها بنفسه.

رحم الله سالم زين محمد الذي التقيته بعد ذلك في الرياض يعمل في أحد الفنادق ثم التقيته في القاهرة قبل وفاته وحين سألته عن الصحة قال لي: لا تسأل عن صحة (اللي) ما تهمه صحته.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s