الرواد

ينماز البناة من الرواد بأخلاقيات تجمع بين تواضع المتعلّمين الأصلاء لا المتعالِمين الدُّخلاء، وبين شغف المستكشفين الذين يرتادون مجاهيل الحياة بتصميم وحب واستبسال، إضافة إلى الولع بنوع من المعرفةHoldingSand الشمولية تقتضيه مرحلة البناء غير المسبوق، وطبيعة المهام الملقاة على عاتق الرواد الذين يملأون بتنوع المعرفة وملكة الفراسة الفراغ الناجم عن نقص المتخصصين والكوادر الوسطية، ونتيجة لاضطرارهم لاتخاذ قرارات على مستوى عال من التخصص والطبيعة الفنية.
وفي منطقة الخليج العربي – التي شهدت أسرع وأعلى معدل للتنمية في العالم خلال عقود قليلة من الزمن قفزت ببلدانها من البداوية وغلظة العيش إلى مشارف القرن الواحد والعشرين بألوان من الرفاه لم تحلم بها حكايات ألف ليلة وليلة – يوجد جيل من البناة الذين تصدوا لأعسر المهام المتمثلة في السيطرة على ثروات خيالية تدفقت من البترول وتحويلها إلى مشاريع بنية أساسية، وإعادة تأهيل للسكان، إضافة إلى إدارتها بطرق منضبطة ومواكبة للنظم المالية والمصرفية العالمية، وكل ذلك وسط تهافت خارجي وصل إلى درجة التكالب من جهات عديدة للحصول على نصيب من الكعكة المغرية.
إن الأجيال الجديدة التي تجد أمامها اليوم القنوات المنتظمة للدخل والصرف، وفرص العمل المتنامية، ومصادر الرزق الهينة اللينة، إضافة إلى المؤسسات التي تعمل على مدار الساعة لتأهيل الكوادر ونشر العلم والمعرفة، هذه الأجيال ابتعدت عن المعاناة المبدعة التي مر بها جيل البناة من أولئك المخضرمين الذين عاشوا سنوات المحن والجدب، وعايشوا سنوات الأمطار والخصب، فهم في جزء من نفوسهم بداةٌ أقحاح لا تبطرهم النعمة الحديثة، ولا تخيفهم نوائب الدهر التي خبروها وحلبوا اشطرها كما يقال، وفي جزء آخر مشاركون أصلاء في ثمار النهضة، لأن من يبني ويسكن ليس كمن يرث ولم يبنِ.
ومع ذلك – أو بجانبه – تستشعر في أعماقهم أصداء حسرة مكتومة راكمها الإحساس بأن الأجيال الجديدة لم يتح لها الوقت الكافي لتنهل من تجربتهم أو تتبصر في معارفهم، كما أنهم ينظرون إلى تسارع الزمن المخيف وإيقاع النزعة العالمية التي تلتهم بدون هوادة خصوصيات الأقطار التي ورثتها وحافظت عليها لآلاف السنين، والتي تمثل هويتها وعنوان شخصيتها. وتحاول أجهزة الإعلام المختلفة ردم هذه الهوة بين جيلين من خلال إنشاء جسور حوار واتصال وجلسات تذكر واستذكار ومقارنات بين ماضٍ قريب يتلاشى وحاضر مستعجل يتمادى، ومستقبل لا ينتظر أوانه، وإنما يعلن عن نفسه بكل الطرق، ويدق كل الأبواب مخبراً بما سيأتي به من عجائب، حتى لكأن العالم يعيش الأزمان الثلاثة في وقت واحد، ففي بعض البلدان نستشعر أنك انتقلت إلى ماضٍ سحيق، وفي بعضها الآخر تستشعر الحاضر بوجوده الملموس وقسماته المميزة، وهناك بلدان تعيش المستقبل وتعمل له أو تصنعه ليل نهار.
وهنا في الخليج تتعايش الأزمنة على سطح واحد، فجيل البناة الذي أشاد الحاضر يتمسك بقوة بهيئة الماضي وليس بأساليبه، في الوقت الذي ينفتح فيه على المستقبل مع إشفاق على حماس الشباب الذي يندفع إلى الأمام دون عناية كافية بتثبيت أقدامه على الأرض.
من أمتع حوارات (الجسور) التي قرأتها مؤخراً والتي تكثر عادة في شهر رمضان الكريم، الذي يشجع على التنقيب في الذاكرة والتاريخ، حوار أجرته (عكاظ) السعودية مع المستشار مصطفى إدريس الذي كان وكيلاً عاماً للميزانية في المملكة، وهو من الجيل الذي عمل وخطط وعايش الإنقلاب الكبير، ولا يزال في مواقع المسؤولية، وقد لفتت نظري الرؤية المتوازنة في النظر إلى الواقع بمختلف جوانبه، وإدراك أهمية التطور وضرورته، إضافة إلى التعلق بالماضي دون إفراط، والتحسب للمستقبل دون انبهار وتفريط، ومن آرائه:
– كان نمط الدراسة في الماضي مركَّزاً وعميقاً، والتركيز المنهجي كان أفضل مما هو عليه الآن، حيث نجد الكم الهائل الذي لا يخلو من الحشو، ويحسن إعادة النظر بالتعديل الملائم.
– عن اختلال القيم: ربما يتحمل البيت والمدرسة جزءاً من هذا الخلل، ولكن في هذا الزمن ثمة الكثير من العناصر المؤثرة في اختلال القيم، وهنا لا بد من بروز دور الإعلام لمواجهة هذا الخلل، حيث أصبح للإعلام دور لا يستهان به، قد يوازي دور المنزل أو المدرسة، فالإعلام بوسائله المختلفة دخل كل بيت في مجتمعنا، ومن هنا فهو مطالب بالتصدي لهذه الممارسات الخاطئة، ودعاوي الحضارات الزائفة.
– عن دور الأب والأم: الواقع المفتوح بحكم التطور الهائل، ربما انعكس في ممارسات تربوية سلبية، ولا بد من الرجوع لقول الرسول صلى الله عليه وسلم كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.
– ليس هناك تقارب بين الزواج قديماً والزواج في الوقت الحالي، والفروق شاسعة وكثيرة نظراً لاختلاف ظروف الحياة، أما ظاهرة فشل الزيجات فتعود – في أغلب الأحيان – إلى عدم التكافؤ، وعدم الإحساس بالمسؤولية، واختلاف الأمزجة التي أصبحت من صفات هذا العصر، والمرأة هي الأنوثة بفطرتها وهيكلها، وهي استكمال لعنصر البقاء على الأرض، وفي هذا العصر الزاخر بالعلم والحضارة أرى أنها نصف الحياة، إن المرأة نصف المجتمع، وبهذا المقياس لا بد أن يكون لها نفس النصيب من العمل، على أن يتفق ذلك مع تقاليدنا وأوضاعنا، وقبل هذا وذاك مع شريعتنا، وأنا أتفق مع توسيع مجالات عمل المرأة خاصة في التخصصات التي يجب أن تكون فيها المرأة بدلاً من الرجل. وبالنسبة لتعدد الزوجات فإنه إذا كان بلا إمكانات معيشية ففيه إهدار لكرامة الإنسان، أما إذا كانت ظروف الرجل تمكنه من أن يتزوج أكثر من واحدة وهو قادر على أن يتمتع بحياة سعيدة يتوفر فيها العدل… فما الذي يمنع؟
– عن الفضائيات: هي مزيج من نافذة على أفقٍ آخر، وغزو من نوع آخر، وهي مفيدة وغير مفيدة، والكثير منها لا يتفق مع عاداتنا وتقاليدنا، ولكن يمكن الإستفادة من الندوات والأطروحات الجادة في السياسة والإقتصاد والعلم، فليأخذ الإنسان ما يفيد وليدع ما يضر.
– العمل الخاص تحكمه إرادتك وقراراتك ومغامراتك، وأنت المسؤول الوحيد في الكسب والخسارة، أما العمل العام فتحيطه قوانين وأنظمة ومرجعية لا بد من التقيد بها، والخلط بين العملين لا ينتج عنه سوى الخطأ.
– إذا كان البناء الشامخ قد تحقق في زمن قياسي فلا علينا إذا كانت نسبة الصحيح فيما تحقق 80% والخطأ لا يتجاوز 20%، خاصة أن استمرار النهج بنفس العزيمة كفيل بتصحيح هذا القدر المتواضع من الخطأ.
غيضاً من فيض، أن حوارات الجسور مع جيل البناة الرواد ينبغي أن تستمر لإثراء الحياة بالمعرفة، وأن الإعلام هو المناط بهذه المهم المحببة والمفيدة في آن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s