رقم في لعبة الأمم

منذ انسحبت القوات الدولية والمنظمات الإنسانية من الصومال في مارس الماضي انسحبت الأضواء عن هذا البلد المنكوب، وأسدلت ستارة من الظلام الكثيف على ما فيه ومن فيه، وترك لمصيره وكأنه نسيٌ منسي.
الصوماليون الذين أملوا خيراً في اهتمامات المجتمع الدولي بأوضاعهم يدركون الآن أنهم لم يكونوا سوى رقم في لعبة الأمم ومختبر لم يقدر له النجاح لما أطلق عليه حينذاك النظام الدولي الجديد ذي القطب الواحد، حيث اختار الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش ما قدّر أنه النقطة الأضعف والجدار القصير ليقود تحالفاً دولياً ضد طواحين الهواء مستفيداً من صدمة الرأي العام الأمريكي والعالمي نتيجة الأفلام التليفزيونية التي تسرّبت عن ضحايا المجاعة وهم يعانون سكرات الموت ووحشية العصابات وغياب الرؤية الوطنية التي تغلب المصالح العليا على المصالح الضيقة والأنانية، وتغلّب روح الجسارة والبناء على روح الإنتقام والتدمير.

أصبح الصومال ضحية لأوضاع معقدة عدة مرات، ففي الحرب الباردة تقلب بين القطبين من نار إلى نار، وخسر حرب الأوجادين التي خاضتها قيادته بحسابات قصيرة وعقلية مغامرة، وفي الداخل اكتوى بنار الديكتاتورية القبلية التي مزقته شر ممزق، وما زالت تنحر فيه إلى اليوم، لأن الذين أسقطوا محمد سياد بري لم يستوعبوا دروس المأساة، وظلوا يخوضون في أوحالها.
وبانتهاء الحرب الباردة جاءت المجاعة تحصد السكان الآمنين، ومعها جاءت القوات الدولية فسقطت في شراك أناس يفضلون الموت على التسليم بعقال ناقة لخصمهم على الساحة، حتى أصبحت مقديشو كأنها برلين، شوارعها مقسمة، وعلى رأسها حكومتان في العلن وعشرون حكومة في الشارع. ولأن الأمريكيين يستطيعون إدارة حرب النجوم ولا يستطيعون إدارة حرب الشوارع، فقد وجدوا السلامة في الإنسحاب قبل أن يسأل الشارع الأمريكي بيته الأبيض: “ماذا يفعل أبناؤنا في الصومال؟ ولماذا يموتون؟ وما هي مصلحتنا؟ ومع الأمريكيين ومن خلفهم المجتمع الدولي انسحبت الأضواء ولم تعد صور جنرالات الحرب تظهر على شاشات المحطات الفضائية حول العالم، وسقطت الصومال في بئر مظلمة لا قرار لها.
اليوم عادت الأنباء مجدداً تحمل إلينا أخبار المجاعة في الصومال، وبأن الموت يحصد الأطفال والشيوخ والنساء في هذا البلد العربي الأفريقي المسلم، وقد ظهر شبح المجاعة في جوبا السفلى وإقليم غالغودود جنوباً، وفي الشمال، وفي مقديشو. إن الشعب الصومالي المعروف بالشجاعة وبحبه العاصف للحرية لحريٌّ بأن يقف العرب إلى جانبه وقفة الأخ الشقيق، لا لتخليصه من المجاعة فقط، ولكن لتحقيق المصالحة الوطنية وإقامة دولة ديمقراطية وتحكيم العقل في الخلافات بدلاً من إطلاق العنان للغرائز، وها هي الجامعة العربية – التي طالما بحثت عن دور طبيعي هو من حقها في هذا النزاع – مدعوة اليوم لأن تنهض بمهامها ومسؤولياتها قبل فوات الأوان.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s