كيف نختلف

من كان يصدق قبل سنوات قليلة أن الدب الروسي والفيل الأمريكي سيتعانقان بعد أن يتلاحما في الفضاء، وأن يطلع كل منهما على أسرار الآخر وعلى تقنيته، وأن يقوما بتجارب مشتركة، ويخططا معاً لشراكة في غزو الكواكب. لقد عمل المنظّرون المتحذلقون على تيئيس الإنسانية من الحوار والتواصل، ولم يروا في التنافس الدولي وصراع المصالح سوى الفناء: “أن تكون أو لا تكون”، وكأن هذا الكوكب لا يتسع لاثنين، ولا يحتمل نظامين أو رؤيتين. وفي تلك الأيام – التي يتذكرها بعضنا بحسرة – كان يبدو العقل ضرباً من الجنون، والدعوة إلى التعايش الحقيقي لا تعايش الحرب الباردة نوعاً من الإستسلام، أما النظر إلى إيجابيات الطرف الآخر وملامحه الإنسانية فنوع من الهرطقة الخطيرة التي يجب بترها، وفي هذا الإطار أطلق الرئيس ريجان على الإتحاد السوفييت تسمية (إمبراطورية الشيطان)، وفي حمى هذه التسمية الهوليودية أطلق برنامجه لحرب النجوم، ولم يكن أمام الطرف الآخر – المنهوك القوى – سوى النزول إلى الحلبة، وإلا اعتبر مهزوماً بالضربة القاضية، لذلك فقد قرر – طيب الذكر – جورباتشوف الهزيمة بالنقاط لحفظ ماء الوجه، ولكن غاب عنه أن المسألة ليست معركة واحدة يستلقي بعدها على شواطئ البحر الأسود ليستمتع بالشمس والهواء العليل، لأنه في اللحظة نفسها أخرج التاريخ كل دفاتره لتصفية حروب الأرض بدلاً من حروب النجوم، حتى وجدت روسيا العظمى نفسها على طاولة المفاوضات مع الشيشاني حليق الرأس الذي اعتمد مبدأ: “اطلبوا الموت توهب لكم الحياة”.

 

الطرف الأمريكي بدوره ما زالت في خزائنه ملفات كثيرة لم يقدم حسابها، لذلك تراه اليوم يترنج على الحلبة صارخاً: “هل من مبارز؟…” إن غياب العدو هو أكثر ما يربك حسابات الدول العظمى، لأن وجودها وخططها مبنية جميعاً على افتراض العدو، ومع ذلك فكثيراً ما تنطبق على سياسات هذه الدول حكمة العقاد التي قالها لأحد خصومه السياسيين الذي كان يهدد باستخدام القبضة الحديدية: “يد من حديد في ذراع من جريد”، وقد أثبتت وقائع كثيرة هذا القول، واسألوا محمد فارع عيديد في الصومال.

 

إن اللقاء الذي تم في الفضاء بين المكوك الأمريكي (أتلانتيس) والمحطة الروسية (مير) – بقدر ما يعتبر نتيجة للتحولات الذي شهدها النصف الأول من عقد التسعينات منذ سقوط سور برلين، وحتى تفكك الاتحاد السوفييت – يمكن اعتباره أيضا بذرة لتفكير إنساني جديد، وهو بقدر ما يعلمنا كيف نتفق، يعلمنا أيضاً – وهذا هو الأهم – كيف نختلف.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s