الوجه الآخر

كان حديثاً عابراً على طاولة الإجتماعات، أو قل أنه لقطة ساخرة أثارت لغط الحضور دون أن تستثير تفكيرهم حين صرخ أحد الزملاء: “أنا لا أفهم سر المساحة التي أفردتموها لهذه الفنانة التجريدية، إن هذا الرسم مجرد لطخات أستطيع أن أبدع أفضل منه وأنا مغمض العينين…” ويضيف: “بالله عليكم هل فهم أحد منكم أي معنى…”، هنا مربط الفرس كما يقولون. هذا التعبير القديم جداً يعني في تقديري الاعتيادية والتكرار والوظيفة والمعنى. هذا مربط وهذا مكانه وذلك معناه. المربط يجر إلى ذهنك الوتد المسند إليه والحبل المتصل به والفرس المربوط، وهكذا دواليك… سلسلة من المتتابعات تشكل المعاني كما يقسمها ويفرزها ويصنفها العقل البشري ليسهل عليه التعامل في هذه الحياة وإلا اختلط الحابل بالنابل، هل نفصل مرة أخرى في الحابل والنابل اللذين ربّما كان أقرائهما في هذا التعبير بداية غرائبياً ومدهشاً ومبدعاً عندما قاله أول من قاله، ثم اعتاده الإعتياد وأبلاه عدم الإجتهاد فأصبح من مكرور القول الذي لا يدعوك حتى إلى تبيّن الصورة الأصلية المادية التي ولـّدت هذه الاشتقاقات أو المعاني المجردة المعنوية.

قلت لزميلنا: “لماذا لا ننظر إلى المسألة من زاوية خلق المعنى الجديد، وليس التعبير عن معنى سبق لنا أن خبرناه وألفناه وجربناه… إننا ننظر إلى تداخل السحب واختلاط الرمادي بالأبيض بالوردي ثم دخول المغيب ليرش ألوان الذهب، ونكون مثلاً على شاطئ البحر فيخطف بصرنا الأزرق بدرجاته المختلفة، فلكل عمق زرقته ودرجة صفائه، ثم نلتفت يساراً نوعاً ما فإذا بالرمل يفرض حضوره عبر درجات من الإصفرار والإغبرار، وفي الخلف غابة نخيل بالأخضر الفاتح، فإذا كانت حاملاً أصبحت متحفاً لألوان لا تتكرر، وكل عناصر هذه اللوحة لا تتكرر أبداً، فتحت كل إضاءة من ساعات الليل والنهار تغير معطياتها، ولا يمكن لك لو قضيت عمرك كله تراقب أن تجدها تكرر المشهد ذاته بحذافيره لما ظفرت. أنظر إلى الدوحة العظيمة وقد تناسق نظامها وتساوقت أوراقها وتناغمت أغصانها، فتقول أنها كل متماثل، ولكن تأمل كل جزئية وكل ورقة فستجد أنها متفردة لا تشبه أو تماثل بالضبط أية ورقة أخرى. إن البحث عن المعنى المقولب المسبق هو نوع من قتل الإبداع وخنق الإبتكار”.

تأملت مرة أخرى اللوحة فوجدت الألوان تعلو وتهبط، تتوقد وتنطفئ، لها تماس مع النفس ومناطق ذل وأجواء زهو. لقد كانت ضربات الريشة اقتحاماً لمجهول، وتحسساً مدهشاً لولادات جديدة. نظرت إلى السماء وإلى تشكيلة السحب التي تلتهب أطرافها عند المغيب فلم أجدها تقول معنى أو تلقي قصائد معروفة الجرس محددة القوافي في مسرح السماء، ولكنني وجدتها في روحي تقتادني بسحر آسر إلى معالم مجهولة وهي تقول لي: “إبحث عن معناك ولا تبحث عن معناي”.

إن العبقرية في تجليها الرائع هي الموازنة بين النظام والحرية، علماً أن النظام إذا تقولب وتجمد يفتئت على الحرية، أما الحرية إذا تسامت فهي تنسج النظام لا لكي تختنق فيه وإنما لكي تتجاوزه.

من الأمثال التي كان يعتز بها بابلو بيكاسو ويعتبرها رؤية لأعماله ذلك المثل الصيني القائل: “أنا لا أقلد الطبيعة بل أعمل مثلها”. وحين أنجز بيكاسو لوحة لفرانسواز جيلو بدا فيها شعرها أوراق شجر خضراء فباتت الصورة تأليفاً نباتياً رمزياً. قال لها: “ثمة فيك اندفاع نبتة في الربيع، ولم أكن أعرف كيف أعبّر عن فكرة أنك تنتسبين لعالم النباتات…”، ويضيف: “إن ما ينساه الناس إنما هو كون كل شيء فريداً، فالطبيعة لا تصنع الشيء ذاته مرتين. من هنا إلحاحي على البحث عن علاقات تباعد كبيرة، رأس صغير على جسم كبير، رأس كبير على جسم صغير، أريد اجتذاب الذهب إلى اتجاه ليس معتاداً عليه وإيقاظه، أريد أن أكشف للمشاهد شيئاً لا يمكنه أن يكتشفه من دوني. إن هدفي هو أن أجعل الأشياء تتحرّك”.

وأقول… قديماً قالو: “إنك لا تنزل النهر نفسه مرتين”.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s