علي الشرقاوي

علي الشرقاوي
علي الشرقاوي

عميق وشامخ مثل نخلة
الشاعر والكاتب البحريني الأستاذ/ علي الشرقاوي، يدلف إلى إصداره الثالث عشر بثقة واقتدار، مُعلقاً بشجرة الشعر كما يتعلق ابن الطبيعة البكر، يرى الأشياء في دهشتها الأولى، يتحسس تجاعيد الزمن وذاكرة الأيام والنبض الذي اختفى، والذي يوشك أن يولد .
الشعر على شفة الشرقاوي في ديوانه الجديد (ذاكرة المواقد) يتسع مداه إلى عوالم لا متناهية، لا تحدها ذاكرة شعرية مقننة، ولا لغة محفوظة، فاللغة عنده لا تحكم الشعر، ولكنها تولد من ثناياه، موقعة، جميلة، مزدحمة بالعاطفة، وبالحلم، وبالثقافة، لتصل إلينا في هيأتها الجديدة، تستفز القياسات المألوفة، وتدعونا إلى حلمها الجديد، واكتشافاتها، وألوانها، ومع ذلك فهي لا تستعصي على فهمنا:
سحب الطفل طابون أجداده
من وجار الطيوف
وطاف عليه ثلاثاً
فشاهد قافية ساقها لين
فأطعمها لونه
ثم أطلقها
في الفضاء المطل على الأبجدية
شاهد حرفاً يضيء ويخفت
ثم يضيء
تقرب منه
فطار على السطح
تابعه وتسلقه
طفل هو الآن فوق الحروف
يقول ويبكي:
تعالوا إلي ولا تنزلوني
هل هناك تصوير أبدع وأجمل لعلاقة الشاعر بالحرف، للغرام المضني، والإحتراق اللذيذ، وهذه المطاردة الأزلية، ثم “تعالوا إلي ولا تنزلوني”، فلتبق أيها الشاعر إلى الأبد، على سطحك المضيء، وحاذر أن تنزل إلينا إذا لم نأت إليك.
هذه الكينونة الشعرية يفيض بها شاعرنا في العديد من قصائد ديوانه الجديد، فتضيء لنا نحن القراء هذا العالم الساحر لشاعر حقيقي ينزف مثل المحارة العجماء، ومشكلته في الوعي الذي يرصد الداخل والخارج، ولكن الخسارة ممنوعة في هذا العالم.
لأنه عالمٌ غني مدهش
لموسيقاه
صبايا دهشة علمها الشارع أن تعدو
على موج له شكل الخرافات وأن تشدو
كعين الظل في رعشة جذر
فاجأتها الغيمة المرتجلة
إنه الظاهر في الباطن
من يقدر أن يوقف عزف الورد في الجمرة
لو فار هذا التنور، فاض النور
غطى ظلمة ثلجية، ساق إلى المتحف
روح المقصلة
سيلاحظ القارئ هذا الرصد والتشريح لتبدلات الشعر والشاعر، لتحوّل الجمل إلى رسالة، والرسالة إلى فعل… أليست الكلمة معادلاً موضوعياً وعالماً موازياً لعالمنا، أليست تفكر وتحلم وتدفع بدمائها إلى شراييننا، لتصبح لنا دماءٌ جديدة. إن دهشة الطفل تتحول إلى لوحة لعالم جديد، وهذه اللوحة تتمرد على أطرها لتبحث عن نسق الحياة، حتى تخرج إلى الحقول والبيوت والشوارع، فمن يقدر أن يوقف عزف الورد في الجمرة؟ الشاعر رسول الحياة، يكتشف المخجل وغير الإنساني، والخلل الذي ينتاب الصيرورة.
والشاعر لا يقف في حمله لهموم العالم والإنسان أمام اللحظة والراهن، ولكنه يخترق الحجب، وينظر بعين مضيئة إلى عنفوان القادم من تقرحات الأحلام المذبوحة، ومن الأشواق المكبوته، فالولادة بالنسبة إليه هي القانون، ولكنه يؤطر ويدعو للجميل والمفرح والمتجاوز في هذه الولادة، ولا يريدها إجهاضاً أو استمرارا ًمشوّهاً، أما طريقه إليها فهي “قل ما لا يقال”:
لا تخف الرده
فصباحات الحرف ترى
في القلب بلاداً غير الصخرة والماء
ترى أولاداً
ينتشرون كأحلام اليرقات على الأخضر
ويزيحون قبائل عصر الثلج
بزهو الموج، وزهور النارنج
فلا تجزع…
هذه لمحات من نظرة عجلى على ديوان صغير في حجمه، كبير في مضامينه وشاعريته، في عالم مليء بالشعر، ولكن الشعراء قليل، ومنهم هذا الفتى البحريني الذي يسكنه البحر.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s